الشيخ محمد إسحاق الفياض
393
المباحث الأصولية
الزائد على تفصيل يأتي في مبحث الاستصحاب . وأما الوجه الثاني : فلا شبهة في إمضاء هذه السيرة منذ عصر التشريع ، ضرورة أنها لو كانت مخالفة للأغراض التشريعية وخطراً عليها ، لردع عنها منذ ذلك العصر ومنع عن العمل بها ، فلا يمكن تأخير الردع إلى زمن نزول الآيات . ومن هنا قلنا إنه لا يمكن ردع هذه السيرة بإطلاق الآيات الناهية ، ولهذا لا شبهة في أن العمل باخبار الثقة في زمن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان متداولًا ومتعارفاً بين الناس ، حيث أنهم كانوا يعتمدون عليها في مختلف جوانب حياتهم العادية الشخصية والتشريعية المادية والمعنوية في الموضوعات والاحكام ، وسكوت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في مقام عمل أصحابه وتابعيه بها ، كاشف قطعي عن الإمضاء لفرض ان بامكانه المنع عن ذلك ، واحتمال ان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لم يعتمد على خبر الثقة ولو في مورد واحد لا في الأحكام ولا في الموضوعات في فترة قبل نزول الآيات غير محتمل . ودعوى ان حجية السيرة منوطة بالقطع بامضائها شرعاً ومع الشك لا تكون حجه ، ومن الواضح ان هذه العمومات الناهية تصلح أن تكون منشأ للشك في حجيتها ، لاحتمال رادعيتها عنها . مدفوعة بأن الأمر وان كان كذلك بالنسبة إلى من يحتمل ذلك ، ولكن ذكرنا ان هذه السيرة بما أنها مرتكزة في أذهان الناس وثابتة في أعماق نفوسهم كالجبلة والفطرة ، فلهذا كان الناس يتحركون عملياً على طبقها بدون الالتفات إلى أن مثل هذه العمومات رادعة عنها بل كانوا معتقدين بأنها لا تصلح أن تكون رادعة عنها ، فإنهم مع التفاتهم إلى هذه العمومات ، كانوا يتحركون على طبق هذه السيرة ويعملون بها ، ولا يمكن الردع عنها إلا بنص صريح كما تقدم .